محمد حسين علي الصغير
65
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
المشابهة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي ، وإنما بالأثر والقوة والقدرة ، ولا مشابهة بينه وبين الجارحة نفسها . وخير نموذج في القرآن لبيان علاقة غير المشابهة في المجاز المرسل ؛ قوله تعالى : وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ « 1 » . فكلمة « محيط » على الصعيد المجازي ، تبرز ذات دلالة ، تتعدى معنى الإحاطة التقليدية ، فليست إحاطة اللّه هنا إحاطة مكانية ، كإحاطة القلادة بالجيد ، أو السوار بالمعصم ، وإنما هي إحاطة مجازية ، خارجة عن حدود الإحاطة المكانية ، كإحاطة ذي القوة بمن ليس له حول ولا قوة ، وكإحاطة ذي الشأن المتعالي بمن لا يدانيه سيطرة وإعدادا ، إذ لا يمكن أن تفسر هذه الإحاطة بالمكان - وإن استوعبت المكان - لأن اللّه تعالى فوق حدود المكان ، وإذا كان الأمر كذلك فلا بدّ من التوسع في اللفظ وحمله على المجاز فيكون المعنى كما أشار الزمخشري : « والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به حقيقة » « 2 » . وإذا كان المعنى كذلك ، علمنا أن لا مشابهة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي ، فانصرف التمثيل إلى المجاز المرسل بعلاقة ما ولكنها غير المشابهة . ومهمة المجاز المرسل مهمة لغوية ، فاللفظ هو اللفظ ، والمعنى لذلك اللفظ لغة ، المعنى نفسه ، إلا أنه في دلالته الثانوية حينما يراد به المجاز نجده قد انتقل بتطور ذهني ، وبتصور متبادر إليه في السياق ، فهو في حالته الأولى لم يتغير معناه الحقيقي في استعماله الحقيقي ، وإنما بقي على ما هو عليه ، وقد كانت القرينة هي الصارفة عن هذا المعنى إلى سواه في الاستعمال المجازي ، سواء أكانت القرينة حالية أو مقالية . والمجاز المرسل وإن كان مدار الحديث في الصلة بين النفس والإرادة الاستعمالية ، ورمز التطور اللغوي في الانتقال من معنى إلى معنى ، إلا أننا يجب أن لا نتطرف فيه وفي ادعاء انطباقه على صنوف التعبيرات
--> ( 1 ) البقرة : 19 . ( 2 ) الزمخشري ، الكشاف : 1 / 85 .